السعيد شنوقة

354

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

البرهان صحيحا ، فكلما اعتقدوا حلّ المسائل الصعبة التي اعترضتهم تأوّلوا الآيات بما يطابق هذا الاعتقاد . لكن النزاع في مسألة « خلق القرآن » في صورة تطابقها مع الألفاظ التي وظفها الزمخشري مثلما ذكرنا قبل قليل اتضحت بعد مجيء الأشعري ( ت 330 ه ) حين انتقل النزاع إلى فكرة أخرى « 1 » هي أن كلام الله يطلق على معنيين مثلما هو الشأن في الإنسان : يسمى متكلما باعتبارين : بالصوت وبالنفس ؛ فالذي يمثل المعنى القائم في النفس لا أثر فيه للصوتية وللحرفية ؛ غير أنه معنى نفسي يعبّر عنه بالألفاظ . فإن تنوول ذلك على مستوى الله سبحانه رأينا كلامه معنى نفسيا وهو القائم بذاته وهو الكلام الأزلي القديم الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل ، وإن تبدلت الألفاظ وتغيرت المعاني ؛ وهو الذي يقصد ويراد إذا وصف كلام الله بالقدم ويطلق عليه في الحقيقة كلام الله . أما القرآن بمعناه المقروء المتلو المكتوب فإنه المقصود عند المعتزلة بالكلام الحادث المخلوق ؛ لذا فإن تلفّظ الزمخشري بذلك يشير إلى هذه الخلفية . ويمكن الخلاف بينهم وبين الأشعرية في أن المعتزلة لا يثبتون كلاما لله تعالى سوى هذا ، بينما أثبتت الأشعرية الكلام النفسي القائم بذات الله ، ولا يسمون ما ذهب إليه المعتزلة كلام الله إلا على سبيل المجاز « 2 » . ومعنى اللطف عند المعتزلة وجه التيسير إلى فعل الخير والطاعة وترك الشر والمعصية . واختلفوا في الهدى الذي يفعله الله عز وجل في المؤمنين ما هو ؟ فاختلف القائلون : « إن الله هدى الكافرين بأن بيّن لهم ودلّهم » ، و « أن هذا هو الهدى العام » في الهدى الذي يفعله بالمؤمنين دون الكافرين على مقالتين : فقال بعضهم : « إن الله هدى المؤمنين بأن سماهم مهتدين وحكم لهم بذلك ، وأن ما يزيد الله المؤمنين بإيمانهم من الفوائد والألطاف هو هدى لقوله عز وجل : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] ، وقال آخرون : إن الله هدى بأن

--> ( 1 ) انظر أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 3 ص 320 . ( 2 ) انظر أحمد أمين بن إبراهيم بن عيسى ، توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم ، تحقيق زهير الشاويش ، المكتب الإسلامي بيروت ، 1406 ه ط 3 ، ج 1 ، ص 267 .